الذاكرة حية… أزرق بين الألم والعودة

أزرق- رفقة عبدالله

“في مساء اليوم السابق للهجوم، كنت أمازح ابني محمد، عمره تسع سنوات. قلت له: عندما تكبر ستأخذني إلى بيت الله ضحك، نظر إليّ بعينيه الصغيرتين وقال: عندما تنادي أمك وأباك بأسمائهم ضحكنا طويلًا… ولم أكن أعلم أن تلك ستكون آخر ضحكة أسمعها منه”.

بهذه الكلمات التي تمزج بين الحنين والدموع بدأت أم من قرية أزرق بولاية الجزيرة حديثها لموقع ” الرائد ” وهي تستعيد اللحظات الأخيرة مع صغيرها محمد. في صباح اليوم التالي، اجتاحت قوات الدعم السريع القرية أصوات الرصاص والقذائف ملأت السماء، وصراخ النساء والأطفال اخترق كل بيت ركضت الأم نحو ابنها، فوجدته مع ابنة الجيران. حاولوا الهرب معًا، لكن رصاصات عشوائية أصابتهما، ليسقط محمد أرضا وملابسه مضرجة بالدماء.

تقول الأم “مات محمد أمامي… رحل قبل أن يكمل عامه التاسع تركني أعيش على كلماته الأخيرة، وضحكته التي لم تكتمل”.

قصة محمد تختصر وجع أزرق، لكنها ليست سوى واحدة من عشرات القصص التي سُطرت بالدم في القرية

الموت يخيم على القرية

حين هاجمت قوات الدعم السريع أزرق، تحولت القرية الوادعة إلى جحيم مفتوح. أكثر من (١٠٠ ) إنسان قضوا برصاص عشوائي أو قذائف لم تفرّق بين طفل وشيخ أسر كاملة فُقدت في لحظة، وبيوت امتلأت بالصراخ والبكاء.

شاهد عيان يروي: “لم نكن نعرف إلى أين نهرب. الرصاص يتساقط مثل المطر الناس يركضون، والأطفال يتشبثون بأمهاتهم كنا نرى الموت في كل زاوية”.

بعد المجزرة .. حصار و جوع ..

و بعد أن حصدت أرواح العشرات، فرضت قوات الدعم السريع حصارًا خانقا على القرية ومنع وصول الغذاء والدواء، عاش الناس على ما تبقى لديهم من الذرة والدخن تحكي إحدى السيدات ” لموقع الرائد ” “كنا نقسم الخبزة الواحدة بين خمسة أشخاص. الأطفال يبكون من الجوع، وكبار السن يموتون لأن لا دواء يدخل. حتى الحليب لم يعد موجودًا، والأمهات كن يغمرن أطفالهن بالبكاء بدل الطعام”.

تدمير الأرض و قتلت الزراعة

لم تكتفِ المليشيا بقتل البشر وحصار من تبقى، بل امتدت يدها لتقتل الأرض نفسها ، و بحسب شهود عيان فإن المليشيا قامت بسرقة المحاصيل الزراعية من المخازن والحقول: الذرة، القطن، السمسم ، و حملت الشاحنات بما جناه المزارعون خلال موسم كامل، وتركت الحقول خاوية ؛ فتحت أبواب الترع عمدًا لإغراق القرية بالمياه، لتحاول محوها من الوجود.

و يقول أحد المزارعين الناجين: “أرادوا أن يمحوا أزرق من الوجود. سرقوا تعبنا كله، ثم أغرقوا حقولنا لم يكن يكفيهم أن يقتلوا الناس، بل أرادوا أن يقتلوا الأرض والتاريخ”.

التحرير .. عودة الروح

بعد شهور طويلة عاشتها أزرق في الظلام، بين الموت والحصار والخراب، لكن الجيش السوداني تمكن من تحرير أزرق وإعادة الأمان، بدأ الأهالي بالعودة تدريجيا إلى منازلهم، رغم الخراب ، الأطفال عادوا إلى اللعب في الطرقات، النساء بدأن بتنظيف البيوت، المزارعون شرعوا في إعادة إصلاح الحقول وتجفيفها وزراعتها من جديد.

يقول أحد الشيوخ: “رأينا الموت يحيط بنا من كل جانب، لكننا عدنا. سنزرع من جديد، وسنعيش من جديد. أزرق لا تموت”.

بين الذاكرة والمستقبل

أزرق اليوم تحمل ندوب الحرب، لكنها في الوقت نفسه تحمل بذرة الحياة. الأطفال عادوا إلى المدارس، الأسواق بدأت تنتعش، والمزارعون يستعدون لموسم جديد، مؤمنين بأن الأرض التي شربت دماء أبنائها ستنبت حياة من جديد.

تقول إحدى النساء العائدات: “لن ننسى شهداءنا، ولن ننسى من دمّر قريتنا. لكننا سنزرع من جديد، وسنبني من جديد. هذه أرضنا، ونحن باقون”.

من ضحكة محمد التي انطفأت فجأة، إلى محاولة المليشيا محو القرية بالرصاص والسرقة والإغراق، ومن شهور الحصار والجوع إلى لحظة التحرير وعودة الأهالي… تختصر أزرق قصة بلد بأكمله: جرح غائر، لكن فيه نبض حياة لا ينكسر.

التعليقات مغلقة.