عثمان ميرغني يكتب: تاهت.. ولقيناها

متابعات/ الرائد نت

صباح أمس سعدت بحضور الورشة التي أقامتها نقابة المحامين “التسييرية” بدارها للتداول حول “الإطار الدستوري للفترة الانتقالية”.. ولفت نظري الحضور المتنوع الكبير، وطاف بذهني سؤال حاضر دائم.. إن كان بمقدور نقابة المحامين جمع كل هذه الأطراف السودانية فلماذا لا تكمل المشوار وتدير مائدة مستديرة تستهدف الوصول لتوافق سياسي ينهي الفترة الانقلابية لصالح الانتقالية.
الأستاذ علي قيلوب رئيس نقابة المحامين شخصية وقورة تحظى باحترام الجميع لا يختلف عليه إثنان، وبهذه الورشة أثبت فعلاً أن نقابة المحامين – مهما قيل عن المحاصصة الحزبية التي شكلتها- لكنها تقف على مسافة واحدة من الجميع في أقرب نقطة للمصلحة القومية العليا لا الحزبية الدنيا.. وتبدو فرصة عظيمة لو استطاعت النقابة أن تحظى بتفويض من القوى السياسية لا لتكون وسيطاً -فما أكثر الوسطاء- بل لتكون مطبخ القرار الوطني الذي يصدر بتفاعل الجميع.. فالوقت المتبقي لم يعد كافياً لمزيد من الحوار الدائري في القضايا التي يمكن أن تنتظر قليلاً ريثما تتكون حكومة مدنية تنهي الفترة الانقلابية وتستعيد وضع البلاد الدستوري الذي يفتح العلاقات والشراكات الدولية.
ومع ذلك ربما من الحكمة أن أفصح لكم هنا عن رأيي في بعض مداخلات القوى السياسية المشاركة في ورشة نقابة المحامين..
بصراحة، الساسة أحياناً يرددون عبارات بصورة تلقائية عفوية دون بذل مجهود في استقصاء معناها الفني الحقيقي، أعطيكم أمثلة:
غالبية المتحدثين رددوا عبارة واحدة ( نحن مع تكوين مجلس سيادة مدني)!! وددت لو أنهم أجابوا على سؤال مهم، ولماذا مجلس سيادة؟ لماذا لا يكون رئيس جمهورية ولو بصلاحيات رمزية كما هو الحال – نظرياً- في مهام مجلس السيادة.
لماذا يدفع الشعب السوداني من حر مال فقره المدقع لـ14 ليكونوا رؤساء للدولة، رغم أنف المثل الشعبي السوداني (رئيسين في مركب بيغرقوها) فما بالك بأكثر من دستة رؤساء!
طبعاً الإجابة الحاضرة عند الساسة أن الرؤوس المتعددة هي رمزية لتمثيل أقاليم السودان، وهذه فرية تستحق فتح بلاغ طرف النيابة العام بتهمة “الاحتيال والتزوير” لأن المحاصصة السابقة في مجلس السيادة لم تكن أقاليمية، بل حزبية سافرة.. ولم يثبت أن سودانياً واحداً أحس بوجوده في رأس الدولة لكون أحد أبناء إقليمه -لم يختره هو- ادعى تمثيله في رأس الدولة رغم أنفه..
من الحكمة أن نعترف أن تجربة “مجلس السيادة” التي ورثناها من “شَكَلَة” سياسية في الأسبوع الأخير من ديسمبر 1955، ظلت بعد ذلك تتكرر بمنتهى العفوية بعد كل ثورة شعبية لا لتحل مشكلة الوطن بل الساسة الذين يبحثون عن حل لمشكلة “إجلاس” أكبر عدد منهم في مقاعد وثيرة بالقصر أو مجلس الوزراء وبالعدم في الولايات..
النقطة الثانية التي لفتت نظري قول بعضهم (يجب وضع القوات المسلحة تحت وصاية الحكومة المدنية لتجنب عدم الاستقرار السياسي الناتج من الانقلابات العسكرية..) .. حسناً، بالحساب والحساب ولد، دلوني على انقلاب عسكري واحد في تاريخ السودان لم يأت من حضن حكومة مدنية كانت وصية على القوات المسلحة.. بل دلوني على انقلاب عسكري واحد لم يأت بتدبير الأحزاب السياسية ذاتها..
انقلاب الجنرال إبراهيم عبود 17 نوفمبر 1958، كان بطلب من رئيس الوزراء المدني المنتخب ديموقراطياً، عندما رأى أنه سيغادر المنصب نتيجة تحالف سياسي ضده لم يتردد ذهب لقيادة الجيش وترجاهم أن ينقلبوا على الحكومة ورفضت قيادة الجيش فظل يتردد عليهم كل يوم ليقنعهم بحجة أن البلاد في خطر عظيم.. وفي النهاية تحرك الجيش واستلم السلطة.. تسليم وتسلم وليس انقلاباً بالمعني الدقيق..
25 مايو 1969 العقيد جعفر محمد نميري محمولاً على ظهر القوميين العرب والحزب الشيوعي ارتكب انقلاباً عسكرياً مدمراً لا يزال السودان يدفع ثمنه الى اليوم..
19 يوليو 1971 الرائد “م” هاشم العطا، نجح في انقلاب عسكري لمدة ثلاثة أيام أنجب مجازر مهولة، حوالى 20 ضابطاً عظيماً من القوات السملحة ذبحوا غدراً في بيت الضيافة ثم قيادة الحزب الشيوعي التي شنقوا بمحاكمات صورية وبعضهم لم يكن له أية صلة بالانقلاب.
ثم انقلاب 30 يونيو 1989 الذي دبرته ونفذته الحركة الإسلامية (وليس الجبهة الإسلامية القومية) ..
خلاصة القول، إذا كان ممكناً للقوى المدنية أن تجلس تحت سقف قاعة واحدة للتحاور.. إذاً المشكلة وين؟

التعليقات مغلقة.